الحراك العربي : موضوع الحتمية الجغرافية.

آخر تحديث : الأحد 15 أبريل 2018 - 9:28 مساءً

بقلم : سامي منصور

الحتمية الجغرافية وتداخلات المركز و الهامش.

         منذ سنة 2011 عاشت مجموعة من البلدان العربية تحولات دراماتيكية على المستوى السياسي و الاجتماعي و قد اختلف الباحثون و الدارسون حتى في إعطاء و صف موحد لما جرى،  فتعددت التسميات بين “الربيع  أو الخريف العربي ، والمؤامرة ، والانتفاضات الشعبية ، والثورات السياسية إلى غير ذلك .

ثمة مكان أصيل  لفهم ما جرى و يجري  فيما عرف بالربيع العربي ،  ببعديه الإقليمي و المحلي ، يتمثل في الإمكانيات التحليلية التي توفرها الحتمية الجغرافية و تداخلاتها مع نظرية المركز و الهامش ، التي قد تسعفنا في إيجاد ترابطات و تناسقات  الحراك القائمة بين كل أجزاء المجال العربي.

برزت نظرية  المركز و الهامش أولا، في علم الاقتصاد و تعتمد على فكرة، وحدة الاقتصاد العالمي و توزيع الأدوار داخله الذي يتكون من الدول الرأسمالية المتقدمة التي تمثل مركز هذا الاقتصاد و الدول المتخلفة أو دول العالم الثالث، و من ضمنها العالم العربي التي تكون هامش أو محيط الاقتصاد العالمي .

الحراك العربي : المركز و الهامش محليا..

أغلب دول الحراك العربي انتقلت فيها موجة الاحتجاجات من  المركز إلى الهامش أو في الاتجاه المعاكس، إلا أن سرعة تفاعل المركز مع الهامش تنوعت بين السرعة و البطئ ، الأمر الذي أثر على المآلات و النتائج .

يمكن أن نميز بين مسارين ،الأول  تفاعل سريع مع الهامش، هذه الحالة عاشتها مجموعة من الدول و على رأسها مصر و تونس و اليمن و البحريين و حتى المغرب مع حركة 20 فبراير ، لهذا  كان الحراك في بدايته نقيا و أصيلا و مآلاته كانت تعد بعهد جديد ستدخله شعوب هذه الدول ، خصوصا في الفترة الأولى للحراك قبل أن تدخل على المشهد عوامل أخرى  خلطت الأوراق من جديد .

المسار الثاني ،تفاعل بطييئ بين المركز و الهامش،كان الحراك الذي عرفته ليبيا يعد منذ البداية بخيبة أمل على المستوى الخسائر البشرية و حتى في ما يخص نتائجه ، و يفسر الأمر بأن المركز ظل بعيدا و لم يتفاعل بالشكل المطلوب مع الهامش ، فطرابلس لم تتلقف ما أفرزه الحراك في بنغازي. الأمر نفسه في سوريا، فالحراك ظل لسنوات في الهوامش كدرعة و لم يصل إلى المركز حيث الثقل الحضاري و الديمغرافي في دمشق و حلب ، إلى أن تدخل العامل الخارجي و عوامل أخرى  ، يمكن أن نضم الحراك الأخير في المغرب ( الحسيمة ، جرادة ) ضمن هذا المسار مع الاحتفاظ بخصوصيته القطرية.

الحراك السياسي و الاجتماعي ما لم  ينطلق  و يتبناه المركز لن يصل إلى النتائج  المرجو و المطلوبة ، و سنتعسف عن ظروف ميلاد ثورة حقيقية  أو اصلاح واعد و حراك أصيل.

الحراك العربي و هيمنة الجغرافيا ..

     لكون تونس تمثل لسانا ناتئا في البحر الأبيض المتوسط قريبا من صقلية ، كانت هي المركز الديمغرافي لشمال إفريقيا ليس فقط في ظل حكم القرطاجيين و الرومان ، و لكن تحت حكم الوندال و العرب و خلال العصور الوسطى و الأتراك ، في حين كانت الجزائر الواقعة إلى الغرب منها، و ليبيا جارتها من الشرق مجرد تعبيرات جغرافية غامضة.

التعبيرات السياسية التي تفرضها الجغرافيا تتضح جليا من خلال أحداث ما سمي بالربيع العربي الذي بدأت شرارتها من تونس التي تمثل عنقودا من الحضارة القديمة ، حيث التمدن عمره ألفي عام و اضمحلال الهوية القبلية المبنية على البداوة.هذه الشرارة وصلت كذلك إلى ليبيا لكن مع اختلاف المسار باختلاف الخصائص الجغرافية لكل بلد.

    أما الخليج العربي فلم تكن يوما المملكة  العربية السعودية مركز اشعاعي للمنطقة ، فشعب الحجاز يتطلع إلى البحر الأحمر  و مصر و سوريا  و إلى للحصول على المعونة الثقافية و الحضارية،  فعلى الرغم من كون اليمن لا يمثل سوى ربع مساحة أراضي المملكة العربية السعودية  ، إلا أن الثقل الديمغرافي لشبه الجزيرة العربية في الركن الجنوبي الغربي لها .

فالحراك اليمني كان يشكل خطرا حقيقيا على المملكة العربية السعودية و كل دول الخليج لمكانته الحضارية التي تفضلت بها عليه الجغرافيا ، وعرب الخليج يفهمون ذلك  جيدا، لهذا جاء تحركهم  سريعا لاحتواء هذا التحول أو قمع أي تحرك يطمح إلى الديمقراطية و الإصلاح في هذا البلد الذي سيكون المركز و باقي الدول  الخليجية الهامش الذي سيلتحق به لا محالة .

لن نتوقع أن تنجح الثورة في ليبيا أو الجزائر قبل أن تنجح في عنقود الحضارة  تونس ، ولن نتوقع أن ينجح أي تغير في الخليج ما لم ينطلق من اليمن ، وذلك راجع إلى الصفة التي تفضلت الجغرافيا و هيمنتها على منحها إلى كل من تونس و اليمن.

2018-04-15 2018-04-15
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :تلتزم “المدينة24” بنشر كافة التعليقات التي ترد من القراء، باستثناء التي تسيء للدين والمقدسات أو تتضمن تحقيرا أو تجريحا للشخصيات العامة أو تحمل ألفاظا خادشة للحياء والذوق العام أو عبارة عن تصفية حسابات مع الكاتب دون نقد الموضوع. - أسبقية النشر تُعطى للتعاليق المكتوبة بالعربية. - يرجى إرسال التعليق مرة واحدة. - تحذف آليا جميع التعاليق المكررة والمرسلة عدة مرات. - تحذف جميع التعاليق غير مفهومة المعنى. - تحذف جميع تعاليق السب والشتم المجاني والتنقيص من أحد المعلقين أو الكتاب. - يمنع كتابة البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف إلا عند الضرورة. - يمنع الإعلان والإشهار لمواقع أخرى.

قد لا تنشر بعض التعليقات “سهوا” لأن المتطوعين الذين يقومون بالإشراف على التعاليق يتعاملون مع المئات منها يوميا وبالتالي فمن غير المستبعد أن لا تنشر بعض الردود لأسباب تقنية. - الاقتراحات والمساهمات والملاحظات... يرجى إرسالها إلى بريد الموقع وليس عبر التعليقات : almadina24web@gmail.com

Moujahid Jabir